أبريل 19
0
الإعلامية جيهان منصور

الإعلامية جيهان منصور

 

«لو وهبنى الله قطعة أخرى من الحياة لما كنت سأقول كل ما أفكر فيه، إنما كنت سأفكر فى كل ما أقول قبل أن أنطق به». هذه بالطبع ليست كلماتى لكنها اقتباس من إبداعات الروائى والأديب الكولومبى الحائز على جائزة نوبل جابرييل جارسيا ماركيز الذى وافته المنية يوم الخميس، عن عمر يناهز 87 عاماً فى منزله بالعاصمة مكسيكو سيتى. ماركيز الذى تصنف أعماله على أنها من نمط الواقعية العجائبية، أو ما يعرف بالأدب الخيالى، أثرى مكتبة الأدب العالمى بالعديد من الروايات التى اعتبرت من أهم ما كتب فى تاريخ الرواية، وليس أجمل من تحفته الشهيرة «مائة عام من العزلة»، التى نشرت عام 1967، وطبع منها قرابة ٣٧ مليون نسخة، وترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، وقد كتبها ماركيز عام 1965 فى المكسيك. (المزيد…)

أبريل 12
0
جيهان منصور

جيهان منصور

رحل محمود سلطان، خبر تناقلته وكالات الأنباء والصحف والفضائيات، لكنه بالنسبة لتلاميذه -وأنا أتشرف بأننى منهم- لم يكن خبراً عادياً، فهو لم يكن بالنسبة لنا شخصاً عادياً أو مذيعاً أو قارئ نشرة فقط، «سلطان» كان -رحمة الله عليه- مدرسة كاملة بكل ما تحمله من معنى.

فى البدء كانت الكلمة، و«سلطان» كان يعرف قيمة الكلمة، لم يكن أبداً يتحدث إلا عن قيمة المبدأ والحق والخير والجمال، تراه عملاقاً بتواضعه، يمشى فى طرقات مبنى الإذاعة والتليفزيون بابتسامته الطيبة، متحدثاً ببساطة مع الجميع بنفس الخلق والأدب والتواضع، من أصغر عامل بوفيه وحتى الوزير.

بعد نجاحى فى اختبارات المذيعين بدأت رحلة التدريب على الإلقاء وقراءة النشرة والمصطلحات السياسية فى الإذاعة المصرية، وكان لـ«سلطان» فضل كبير علىّ أثناء هذه المرحلة، على قدر تواضعه وعلمه ودماثة خلقه، لم يكن يجامل أحداً فى العمل، كان يقول المدح والتشجيع لمن يستحق، وكنت واحدة من المئات من مدرسة محمود سلطان، تلك المدرسة التى تترك بصمة بهدوء دون صراخ ولا تشنج ولا صوت عالٍ ولا غرور.

«سلطان» الهادئ دائماً والشامخ بخلقه، كان يقول لنا لا تجلدوا أُذن المستمع والمشاهد بالصوت العالى والصراخ، واجعلوا البسمة عنواناً لوجهكم، واقتربوا من المشاهد كأنكم أحد أفراد أسرته، ولا تتعالوا على المشاهد، وإياكم والغرور فهو يقتل المذيع ويضعه فى برج عاجىّ بعيداً عن المشاهد فيتهاوى ويأفل نجمه سريعاً.

مدرسة «سلطان» هى السهل الممتنع، فكلما كنت بسيطاً متواضعاً كثر أعداؤك واعتبروك ليناً أو سهل الكسر، لكنه كان حاسماً على قدر بساطته وتواضعه، لم يسعَ أبداً إلى منصب ولم يتملق أو ينافق أحداً ليصبح من المرضى عنهم.

أتذكر أولى المرات التى قرأت فيها عناوين النشرة فى إذاعة الأخبار (راديو مصر حالياً) كنت معه فى التدريب فى الاستوديو، وقبل الهواء بدقائق دربنى على العناوين والأخبار كعادته، وجاءت لحظة الهواء، ودقت الساعة معلنة التاسعة مساء، وفوجئت به يقول على الهواء، نشرة التاسعة تقرأها عليكم جيهان منصور ومحمود سلطان! وأشار لى بيده لأقرأ العناوين، وسط ذهولى ومفاجأتى وتشجيعه وتطمينه لى، كنت أقرأ ودقات قلبى أعلى من صوتى، لكنه شجعنى بابتسامته الطيبة واحتوانى، فتجاوزت خوفى وانطلقت مستندة إلى العملاق «سلطان» الذى منحنى هذا الشرف العظيم.

علمنى «سلطان» ألا أتكبر على العمل مهما كان، وكان يقول لنا: إذا كنتم تعتبرونى أحد رواد قراءة نشرة الأخبار فى مصر، فإن برنامج «عالم الحيوان» الذى أقرأ التعليق عليه، هو ما جعلنى الأشهر، لأنه ربطنى بكل الفئات العمرية من الأطفال إلى الشباب إلى كبار السن.

وفعلاً فمَن منا لم يكن ينتظر كل يوم جمعة بعد الصلاة وحديث «الشعراوى»، برنامج «عالم الحيوان» بصوته العذب وبساطة وتلقائية تعبيراته، وهذا الدرس الذى تعلمته منه، صحيح أنه فى عرف الإعلام فإن قارئ النشرة ومقدم البرامج السياسية هو الأعلى مرتبة بين المذيعين والأكثر صعوبة حتى إن «سلطان» حاز نجمة سيناء عن عمله فى تغطية انتصارات أكتوبر، لكن البرامج الأكثر شعبية هى الاجتماعية والعلمية مثل «عالم الحيوان».

رحل محمود سلطان جسداً، لكنه ترك لنا تراثاً خالداً من أعماله القيمة، وبصمة محترمة فى عالم الإعلام، ومدرسة هى الأرفع والأرقى بين مدارس الإعلام، فما أحوجنا الآن إلى تلك المدرسة وسط انحدار وهبوط مستوى اللغة والأداء بين بعض الإعلاميين، ممن يتخذون الشاشة والميكروفون منصة لإطلاق القذائف والسب والشتائم وتشويه الناس ونشر الأكاذيب وعمل «سبوبة» ومصالح على قفا المشاهد، وربما لم يتحمل «سلطان» العملاق بتواضعه هذا العبث الإعلامى فرحل عن عالمنا، لكنه سيبقى دائماً رمزاً خالداً فى عقولنا وقلوبنا ومدرسة إعلامية لن تتكرر.

أبريل 05
0
جيهان منصور

جيهان منصور

القاعدة الإعلامية المهنية تقول إنه لا يجوز لمقدم البرنامج أو مدير الحوار أن يكون منحازاً لجانب أو رأى أو اتجاه على حساب الآخر، وأن يترك الحكم للمشاهد، فلا يفرض عليه رأياً معيناً ولا اتجاهاً معيناً، وفى مصر تجاوزات كثيرة حدثت فى هذا الإطار فى السنوات الثلاث الماضية لا بد من الاعتراف بها، ولكل منها أسبابه التى قد تكون فى حينها مبررة.

تجاوزنا الحياد الإعلامى أثناء الـ١٨ يوماً فى ثورة ٢٥ يناير، حين رأينا القناصة يقتلون الشباب، والجمل يركض مع الخيل فى ميدان التحرير! ووجدنا أن الحياد فى هذا الوقت خيانة لدم المصريين فى ثورة شعبية عظيمة.

وتجاوزنا الحياد الإعلامى بشكل أكثر صراحة وعلانية فى عهد الرئيس المعزول حين ضاقت بنا السبل لوقف مسلسل الأخونة وتفتيت الأرض وبيع القناة والتبرع بسيناء وحلايب وشلاتين وأزمة سد النهضة، وربما لو سكتنا وقتها لكانوا أبرموا صفقة تأجير الهرم ١٠٠ عام لقطر! حتى إن المراقبين يضعون للإعلام الخاص دوراً كبيراً فى حشد المصريين وتنويرهم للقيام بثورة ٣٠ يونيو ضد حكم المرشد، وكنا نحمل أكفاننا على أيدينا ونحن نخضع للتهديد أثناء دخولنا لمدينة الإنتاج الإعلامى من ميليشيات «حازمون» الذين كانوا يرابضون بخيامهم وأبقارهم ودورات مياههم حول أبواب المدينة!

وتجاوزنا الحياد أيضاً فى التصويت على الدستور بنعم، وكنا ربما نرى أن إنجاز الدستور خطوة مهمة لتجاوز مسألة الشرعية التى خنقنا بها مرسى وعشيرته، لوضع ميثاق قانونى للمرحلة ومن ثم نبدأ الانتخابات.

لكن الآن، أعتقد أن زمن التجاوز الإعلامى لا بد أن ينتهى، خاصة مع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فلا يجوز أن يخرج الإعلام مطبلاً لمرشح ومتجاوزاً حدود المنطق والأخلاق مع مرشح آخر! لأن المصريين لهم حق الاختيار، والصندوق هو المعيار.

دور الإعلامى هنا أن يوضح برامج المرشحين وينتقد نقاط ضعفهم ويبرز مكامن قوتهم، لكن أن يخرج على الهواء ليعلن تأييده لمرشح، أعتقد أن هذا يدخلنا فى إطار المصلحة الشخصية للإعلامى؛ لأن بعض هؤلاء المطبلاتية وحاملى الدفوف والبخور على الهواء، يعتقد بسذاجة أن فوز المرشح الذى يدعمه من شأنه أن يقعده مقاعد الصديقين فى منظومة الحكومة والمصالح الشخصية بعد فوز مرشحه!

لذلك آثرت الصمت كلما سألنى أحدهم: من هو مرشحك الرئاسى؟ وسأحترم خيار المصريين فى النهاية بحسب الصندوق؛ لأنه لو أعلنتها الآن أن مرشحى «السيسى» سيدخلنى ذلك فى نطاق التطبيل الذى يقوم به كثير من أصحاب المصالح الشخصية، فضلاً عن أننى سأفقد مناصرى «صباحى»، ولو أعلنتها «صباحى» سأكون بذلك أوجه الرأى العام لاتجاه مرشح معين وهذا لا يجوز إعلامياً، إضافة إلى أننى سأفقد مناصرى «السيسى».

الحياد التام والموضوعية هما الحل الآن، خاصة مع جو الاستقطاب الحاد، وبروز «فاشية شعبية» من الجميع ضد من يختلفون معهم فى الرأى، إضافة إلى ظهور شبكة مصالح شخصية ومنافقين تخطوا حدود الأدب فى جشعهم وتطبيلهم.

وبالنسبة لى شعار المرحلة بكل رقى هو: (صوتى فى الصندوق وليس على الهواء).

ونصيحتى المتواضعة لزملائى الإعلاميين: كثرة الضغط والحزق والمبالغة فى التهويل لتأييد وتأليه وتقديس شخص قد تؤدى إلى نتائج عكسية، وسيبقى الإعلامى الأكثر احتراماً لذاته ولمهنته هو من لم يسهم خلال هذين الشهرين اللذين ستتم فيهما الانتخابات فى تفتيت وتصارع المصريين المؤمنين بـ٣٠ يونيو، لذلك أقول إن الصمت أبلغ أحياناً من الكلام!

مارس 28
0
جيهان منصور

جيهان منصور

توقفت كثيراً عند الخطاب الهادئ الموضوعى الذى أعلن فيه المشير السيسى استقالته من الحكومة وترشحه لرئاسة الجمهورية. وكما اعتدنا من حديث السيسى، نفس النبرة العاطفية والعاقلة، ونفس لغة العالم بمواطن الوجع المصرى التى وصفها من قبل ٢٥ يناير، والتى تفاقمت بعد الثورة، ولخصها المصريون فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ولم يتحقق منها شىء حتى اللحظة.

كمواطنة مصرية أعرف وأقدر حجم التضحية والوقفة البطولية التى التزم بها المشير السيسى منذ دعمه نضال الشعب المصرى ضد حكم الإخوان، وأعلم نتيجة ذلك الموقف لو لم تكن ٣٠ يونيو قد أثمرت جحافل بشرية وملايين فى الميادين تنادى بإسقاط حكم المرشد، أول من كان سيدفع الثمن هو المشير السيسى وقيادات الجيش الوطنية.

وبغض النظر عن أن ٣٠ يونيو تركيبة من المصريين المسيسين ضد فكر الإخوان الفاشى ومصريين من ثوار يناير إضافة إلى مصريين ضد ٢٥ يناير أصلاً، وطبعاً «حزب الكنبة»، فإننا جميعاً خضنا حرباً إعلامية وشعبية لحشد المواطنين ضد الإخوان، ونزلنا جميعاً بلا أى مصالح شخصية، اللهم إلا زوال احتلال المافيا الدولية لتنظيم الإخوان عن حكم الوطن، إلا أن البعض رأى فى ٣٠ يونيو انتقاماً من ٢٥ يناير ألا وهم شبكة المصالح الفاسدة ما قبل ١١ فبراير!

وهؤلاء تباروا فى القفز على المشهد الإعلامى والسياسى مباشرة بعد بيان ٣ يوليو، جاثمين على روح ٣٠ يونيو، تارة بتشويه كل من نادى بالحرية والعدالة الاجتماعية، وتارة بالدفاع المستميت عن النظام الأسبق، الذى هو فى الأساس دفاع عن مصالحهم الشخصية التى تضررت بعد ١١ فبراير.

وأنا لا أنكر على أحد حقه فى الدفاع عن مصالحه، لكن ما يقلقنى هو محاولة هؤلاء التحلق حول المشير والمزايدة والنفاق الذى قد يصل أحياناً للتملق، وهم فى الحقيقة يشوهون مشهداً بطولياً تاريخياً لقائد جيش وطنى وضع رقبته قرباناً لتحرير شعبه من خيانة عظمى تحيق به.

وبسؤال بسيط: هل يحتاج السيسى صاحب الشعبية العريضة هذا النوع من التزلف الرخيص؟ هل يحتاج السيسى من يطبع له ملايين البوسترات والصور؟ هل يحتاج السيسى من يخرجون للإعلام لتشويه كل من ينادى بالعدل والعيش والكرامة؟

بالتأكيد لا، فالإجابة كانت فى بيان المشير حين قال إن حملته الانتخابية لن تكون حملة تقليدية، وما فهمناه أن الرجل يميل للبساطة والعمل دون ضجيج ومبالغة فى المظاهر الزائفة والملايين المهدرة.

وهنا يا سيادة المشير أهمس فى أذنك أن تتمسك ببيانك للترشح، أن تُبعد هؤلاء عن حملتك، وألا تسمح لهم بالحديث باسمك، أعرف أنك لم تكن تتعامل مع مظاهر هذا النفاق الواضح حينما كنت وزيراً للدفاع، تحرجاً من المنصب وتأدباً منك، لكن الآن أصبح من حقك أن تختار رجالك ومن سيشكلون الواجهة التى تتناسب مع مبادئك.

وهناك اختلاف كبير بين اقتناع فلاح أو عامل بسيط أو موظف أو رجل أعمال شريف بك وقد يتبرع لحملتك بجنيه أو أكثر بدافع الحب وتحقيق الحلم، وبين رغبة هؤلاء الحيتان النافقة فساداً فى استرجاع أمجادهم الشخصية على حساب بطولتك وشعبيتك، سينفقون من جيوبهم الكثير تقرباً منك وأنت لم تطلب ذلك ولا تحتاجه أصلاً، ولكن كلهم شبكة أصحاب مصالح.. وما أدراك، سيدى، ما أصحاب المصالح!

مارس 21
0
جيهان منصور

جيهان منصور

■ تباغتنى كل صباح حين أمسك بهاتفى المحمول لأتصفح الأخبار، رسائل تساقط أبنائنا المجندين والمدنيين المصريين فجراً شهداء على يد الإرهابيين والتى أصبحت شبه يومية، وحينما تطالعنى هذه الأخبار ينقلب يومى ويأتى فى بالى صورة واحدة هى صورة «أم الشهيد».

■ وبما أننا هذه الأيام نحتفل بعيد الأم، قمت وفريق الإعداد فى البرنامج بإعداد حلقة مع أمهات الشهداء من مجندى حادث كمين مسطرد الإرهابى، فضلاً عن السيدة والدة الشهيد محمد فاروق، معاون مباحث قسم كرداسة، الذى استُشهد فى أبشع مجزرة نتذكرها جميعاً بعد ٣٠ يونيو.

■ أما عن والدات شهداء مسطرد فاستضفنا اثنتين من محافظتى بنى سويف والمنوفية، تحدثتا بلوعة وحسرة أم بسيطة فلاحة مصرية أصيلة عن لحظة تلقيهما الخبر المؤسف، ووسط دموعهما طالبتا بالقصاص الناجز والعادل، إحداهما طلبت وظيفة لشقيق الشهيد ليتمكن من إعالة الأسرة، والأخرى طلبت أن تؤدى فريضة الحج.

■ أما والدة الشهيد الرائد محمد فاروق، معاون قسم كرداسة، التى لم تتوقف دموعها منذ لحظة دخولها الاستوديو حتى نهاية الحلقة، وهى أم متعلمة من الطبقة المتوسطة، مثلنا جميعاً تعيش فى القاهرة، فطالبت بالقصاص والمحاكمات السريعة للمجرمين، ثم توقفت لثانيتين وقالت: «عاوزة أقابل المشير السيسى ١٠ دقايق مش هو لما طلب إنى أنزل يوم ٣٠ يونيو أنا لبيت، ولما طلب إنى أنزل يوم ٢٦ يوليو للتفويض فى مكافحة الإرهاب أنا لبيت، كنت بسأل محمد وأقوله أنزل؟ يقولى طبعاً يا ماما، زى أنا ما استجبت لطلب المشير، هو كمان لازم يستجيب لطلبى ويقابلنى ١٠ دقايق»، وتمنيت وقتها أن يكون أحد المسئولين أو الضباط فى الشئون المعنوية للقوات المسلحة يشاهد الحلقة ليبلغ سيادة المشير طلب الأم المكلومة ليلبى أمنيتها علّ دموعها المنهمرة كالشلال، التى أدمت قلبى وقلوب المشاهدين، تتوقف.

■ وفور انتهاء الحلقة أبلغنى مدير المحطة أن العقيد أركان حرب أحمد محمد على، المتحدث العسكرى، اتصل به هاتفياً وأبلغه أن سيادة المشير شاهد اللقاء واستجاب لطلب أم الشهيد وكلف المتحدث العسكرى بالاتصال بالأم لتحديد موعد اللقاء، وفى اليوم التالى تفضل العقيد أحمد على بمداخلة هاتفية فى برنامجى وقام بتعزية كل أهالى الشهداء وهنأهم بعيد الأم مثمناً أرواح أبنائهم ودماءهم الطاهرة، قائلاً إنهم أبناء مصر الأم أبناء الوطن، وتحدث عن استجابة المشير السيسى لطلب الأم بلقائه بعد مشاهدته للقائنا مع أم الشهيد محمد فاروق وهدان، شهيد قسم كرداسة.

■ وحين سمعت أم الشهيد هذه المداخلة ردت شاكرة وسط دموعها وقالت: «أنا هحمله الأمانة يمكن ارتاح، أنا هقوله يجيبلى حق ابنى اللى راح أنا مانمتش من يومها أنا عايشة ع المهدئات».

■ وأنا لى هنا أكثر من سؤال: إلى متى يستمر نزيف شهدائنا من الجيش والشرطة والمدنيين بشكل يومى على يد الإرهابيين؟ ألم تشبع الجماعة المسعورة دماءً؟ وكيف يقنعون هؤلاء القتلة أن الدم الحرام يقربهم إلى المولى عز وجل؟ كيف تغسل الأدمغة بهذا الضلال البين؟ ولماذا لا تؤثر فيهم دموع ولوعة الأمهات التى تشق قلب الحجر؟ ألهذا الحد تحجرت قلوب هؤلاء بعد أن فقدوا ضمائرهم؟

■ ثم إن لى رسالتين؛ الأولى لكل الأمهات فى مصر، خاصة أم الشهيد، يا أم البطل، كل عيد أم وأنتِ بخير، وكلنا أبناؤك، لا تحزنى يا أمى، فهذا أول عيد أم لى هذا العام أقضيه بلا أمى التى رحلت روحها الطاهرة إلى ربها فى ديسمبر، وأشعر بألمك وحسرتك فى هذا العيد، وأطلب لأمى الرحمة والمغفرة، واعتبر أم كل شهيد أمى فى هذا العيد.

■ أما رسالتى الثانية فهى لسيادة المشير السيسى الذى لبى نداء أم الشهيد، شكراً لك سيدى من مواطنة مصرية على هذه اللفتة الإنسانية، شكراً لك سيدى لأنك وضعت وردة على قبر الشهيد وبسمة على وجه أم الشهيد، شكراً لك لأنك تحمل قلباً مؤمناً وضميراً يقظاً وتحمل أمانة صعبة هى الدفاع عن وطن كبير عظيم مستهدف داخلياً وخارجياً، ووسط هذه المهمة الصعبة والثقيلة لبيت النداء ولم تخذل دموع أم الشهيد.

مارس 14
0
جيهان منصور

جيهان منصور

القاعدة الإعلامية المهنية تقول إنه لا يجوز لمقدم البرنامج أو مدير الحوار أن يكون منحازاً لجانب أو رأى أو اتجاه على حساب الآخر، وأن يترك الحكم للمشاهد، فلا يفرض عليه رأياً معيناً ولا اتجاهاً معيناً، وفى مصر تجاوزات كثيرة حدثت فى هذا الإطار فى السنوات الثلاث الماضية لا بد من الاعتراف بها، ولكل منها أسبابه التى قد تكون فى حينها مبررة.

تجاوزنا الحياد الإعلامى أثناء الـ١٨ يوماً فى ثورة ٢٥ يناير، حين رأينا القناصة يقتلون الشباب، والجمل يركض مع الخيل فى ميدان التحرير! ووجدنا أن الحياد فى هذا الوقت خيانة لدم المصريين فى ثورة شعبية عظيمة.

وتجاوزنا الحياد الإعلامى بشكل أكثر صراحة وعلانية فى عهد الرئيس المعزول حين ضاقت بنا السبل لوقف مسلسل الأخونة وتفتيت الأرض وبيع القناة والتبرع بسيناء وحلايب وشلاتين وأزمة سد النهضة، وربما لو سكتنا وقتها لكانوا أبرموا صفقة تأجير الهرم ١٠٠ عام لقطر! حتى إن المراقبين يضعون للإعلام الخاص دوراً كبيراً فى حشد المصريين وتنويرهم للقيام بثورة ٣٠ يونيو ضد حكم المرشد، وكنا نحمل أكفاننا على أيدينا ونحن نخضع للتهديد أثناء دخولنا لمدينة الإنتاج الإعلامى من ميليشيات «حازمون» الذين كانوا يرابضون بخيامهم وأبقارهم ودورات مياههم حول أبواب المدينة!

وتجاوزنا الحياد أيضاً فى التصويت على الدستور بنعم، وكنا ربما نرى أن إنجاز الدستور خطوة مهمة لتجاوز مسألة الشرعية التى خنقنا بها مرسى وعشيرته، لوضع ميثاق قانونى للمرحلة ومن ثم نبدأ الانتخابات.

لكن الآن، أعتقد أن زمن التجاوز الإعلامى لا بد أن ينتهى، خاصة مع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فلا يجوز أن يخرج الإعلام مطبلاً لمرشح ومتجاوزاً حدود المنطق والأخلاق مع مرشح آخر! لأن المصريين لهم حق الاختيار، والصندوق هو المعيار.

دور الإعلامى هنا أن يوضح برامج المرشحين وينتقد نقاط ضعفهم ويبرز مكامن قوتهم، لكن أن يخرج على الهواء ليعلن تأييده لمرشح، أعتقد أن هذا يدخلنا فى إطار المصلحة الشخصية للإعلامى؛ لأن بعض هؤلاء المطبلاتية وحاملى الدفوف والبخور على الهواء، يعتقد بسذاجة أن فوز المرشح الذى يدعمه من شأنه أن يقعده مقاعد الصديقين فى منظومة الحكومة والمصالح الشخصية بعد فوز مرشحه!

لذلك آثرت الصمت كلما سألنى أحدهم: من هو مرشحك الرئاسى؟ وسأحترم خيار المصريين فى النهاية بحسب الصندوق؛ لأنه لو أعلنتها الآن أن مرشحى «السيسى» سيدخلنى ذلك فى نطاق التطبيل الذى يقوم به كثير من أصحاب المصالح الشخصية، فضلاً عن أننى سأفقد مناصرى «صباحى»، ولو أعلنتها «صباحى» سأكون بذلك أوجه الرأى العام لاتجاه مرشح معين وهذا لا يجوز إعلامياً، إضافة إلى أننى سأفقد مناصرى «السيسى».

الحياد التام والموضوعية هما الحل الآن، خاصة مع جو الاستقطاب الحاد، وبروز «فاشية شعبية» من الجميع ضد من يختلفون معهم فى الرأى، إضافة إلى ظهور شبكة مصالح شخصية ومنافقين تخطوا حدود الأدب فى جشعهم وتطبيلهم.

وبالنسبة لى شعار المرحلة بكل رقى هو: (صوتى فى الصندوق وليس على الهواء).

ونصيحتى المتواضعة لزملائى الإعلاميين: كثرة الضغط والحزق والمبالغة فى التهويل لتأييد وتأليه وتقديس شخص قد تؤدى إلى نتائج عكسية، وسيبقى الإعلامى الأكثر احتراماً لذاته ولمهنته هو من لم يسهم خلال هذين الشهرين اللذين ستتم فيهما الانتخابات فى تفتيت وتصارع المصريين المؤمنين بـ٣٠ يونيو، لذلك أقول إن الصمت أبلغ أحياناً من الكلام!

فبراير 28
0
جيهان منصور

جيهان منصور

تأتى الحكومات فى بلدنا وترحل، ولا يعرف المواطن المصرى لماذا وكيف جاءت ولماذا وكيف رحلت؟ ولكن بالتأكيد أن التجربة التى عشناها فى السنوات الثلاث الأخيرة تجعلنا ندرك أن أسباب رحيل الحكومات متشابهة إلى حد كبير وقد تكون متطابقة.

لكن بنظرة موضوعية فإن المهندس إبراهيم محلب، رئيس الوزراء الجديد، يحمل سيرة ذاتية تنفيذية محترمة كرجل دولة وتم اختباره فى الحكومة الأخيرة فكان من أكثر الوزراء نشاطا كوزير للإسكان فى حكومة الببلاوى التى كانت برأيى تعمل فى ظروف صعبة إلا أنها افتقدت الشفافية والرؤية الموضوعية لوظيفتها الأساسية كحكومة حرب على الإرهاب لا على شباب الثورة! وبغض النظر عن أننى كمواطنة مصرية شاركت فى ثورتين أسقطت نظامين ودستورين، كنت لا أحبذ أن يأتى رئيس حكومتى من أمانة سياسات الحزب الوطنى الديمقراطى التى كان على رأسها جمال مبارك، فإننا نفتح صفحة جديدة لصالح الوطن ونتمنى ألا ندخل من جديد فى شبكة المصالح وزواج رأس المال بالسلطة الذى كان سببا فى انهيار منظومة العدالة الاجتماعية قبل ثورة يناير، وأناشد المهندس محلب قبل أن يجلس فى مكتب رئيس الوزراء، أن يسأل نفسه ما الذى أخفقت فيه حكومة الببلاوى سياسيا وشعبيا وعمليا؟

وهنا تبرز ملفات ثلاثة تحتاج إلى غرفة إنعاش سريعة وجهاز تنفس اصطناعى ناجز لإنعاشها من سكرات الموت الإكلينيكى البطىء الذى كان سببا فى إخفاق الحكومات السابقة بعد ٢٥ يناير، ألا وهى: الأمن مقابل الحريات، العدالة الاجتماعية مقابل الاقتصاد والاستثمار، الخدمات كالتعليم والصحة مقابل الشفافية فى الإعلام.

أولا: عودة الأمن للشارع المصرى هى ضرورة ملحة، فالأمن قبل الخبز أحيانا، وكما يُقدر المواطن المصرى الجهود الخارقة التى تقوم بها أجهزة الأمن، فإننى كمواطنة يحزننى كثيرا أن أشاهد تفجيرات تطال منشآت أمنية كمديريات الأمن فضلا عن استهداف رجال الشرطة والجيش، وبغض النظر عن التعاطف والشعور بالأسى والحزن لفقدان زهرات شبابنا من الشرطة وتعاطفنا مع أسرهم وأولادهم، فإننى أطالب بضرورة تأمينهم من هذا الاستهداف، فما بال المواطن المصرى حين يشعر بأن رجل الشرطة المكلف بحمايته، لا يشعر هو نفسه بالأمن؟

من ناحية أخرى، يجب أن يعرف رجل الشرطة أن حربه على الإرهاب، لا تعطيه مسوغا لتصفية حسابات مع شباب محسوبين على ثورة ٢٥ يناير، فهذا الملف هو الذى يجعل وسائل الإعلام «الموضوعية» توجه انتقادات لأداء «بعض» أفراد الشرطة، وهو ما يعطى الانطباع بأن الحكومة غير قادرة على تحقيق الأمن فى مقابل احترام حقوق المصريين.

ومن هنا أطالب المهندس «محلب» بأن يراجع كل الشكاوى والتقارير التى وردت من أهالى أطفال وشباب محبوسين احتياطيا بدون توجيه اتهامات بأدلة دامغة، حتى يبدأ مهمته بعد أن يغسل يده من تركة حكومة الببلاوى فى ما يسمى ملف «مظاليم وسط البلد».

ثانيا: مشهد إضراب الموظفين فى الحكومة هو المشهد الأخير فى عمر أى حكومة منذ حكومة نظيف وحتى الببلاوى، فملف العدالة الاجتماعية هو القنبلة الموقوتة التى تطيح بالريموت كونترول بأى جهود تبذلها الحكومة لإنعاش الاقتصاد. وهنا يجب على الحكومة الوليدة أن تصارح المصريين بحجم الدين الداخلى والخارجى، والمتاح فى الموازنة العامة للدولة لتلبية طموحاتهم، وأن تضع خطة زمنية واقعية لتحقيق الحدين الأدنى والأقصى للأجور بلا استثناءات مع تشديد الرقابة على الأسعار، بحيث يشعر المواطن المصرى أن مقدرات الحكومة لا تخدعه، فيصبر الجميع ويعمل ويعرق لتحقيق هذا الهدف.

ثالثا: ملف الخدمات كالصحة والتعليم هو حق من حقوق المصريين، فنظرة على مدارسنا ومستشفياتنا الحكومية كفيلة بأن نعرف درجة التدهور التى أصابتها، والإعلام المصرى قادر على العمل بشكل خدمى فى سبيل تحقيق مشروع قومى كبير لتحسين الخدمات الصحية والتعليمية فى مصر. وأنا هنا أقترح عمل دراسة جدوى لمشروع قومى كبير لبناء مدارس ومستشفيات، وعمل برامج تليفزيونية لشرح هذه الدراسات، وتوجيه الرأى العام للمساهمة فيها، كما حدث فى مستشفى سرطان الأطفال، هذا الصرح العملاق، فلماذا لا يتم عمل برامج تليفزيونية وجمع مساهمات لبناء مدارس ومستشفيات لاستكمال ما يتعذر على الحكومة أن تنجزه؟ وبذلك يكون الإعلام المصرى قد ساهم بشكل خدمى فى تحسين هذه الخدمات.

كل هذه أفكار ورسائل صادقة، من مواطنة مصرية تحاول قدر استطاعتها أن تكون إيجابية وموضوعية وأن ترى هذا الوطن يخرج من عنق الزجاجة، ويساهم كل مواطنيه فى بنائه وليس فقط انتظار عصا الحكومة السحرية لتزيل كل العقبات، ولكن على الحكومة أيضاً أن تدرس مكامن الوجع والفشل والإحباط لدى المصريين، ولا تتجاهل مناشداتهم للإفراج عن أبنائهم، وتحسين ظروف معيشتهم، وتوفير الأمن والخبز، وحماية رجال الشرطة والجيش، وتوفير إعلام وصحة وتعليم يرتقى بمستوى المصريين.

لو بطلنا نحلم نموت..

فبراير 21
0
جيهان منصور

جيهان منصور

حين تضطر أن تدافع عن حقك فى الحزن، يصبح تحقيق الحلم فى الوطن معجزة خارقة!

مأساة ضحايا «سانت كاترين» الذين تجمدوا فى «حب مصر»، لم تعد فقط فى كارثة موت ٤ من شبابنا بعد أن تقطعت بهم السبل وانقطعت عنا أخبارهم لأيام ثلاثة، ولا فى حزننا على فقدانهم فقط.

المشكلة أننا فى مرحلة أصبحنا ندافع فيها عن حقنا فى الحزن على ضحايانا! وكأن الحزن أصبح فعلاً فاضحاً لا يجب أن نمارسه فى العلن! وذلك لأن هناك شلة من «المبرراتية المبخراتية» الذين يعيشون معنا ويشعرون أنهم فى سويسرا مثلاً! دولة بلا مشاكل ولا يمكنك أن تتفوه بكلمة انتقاد على أداء الحكومة أو أى جهاز أمنى إلا وتجدهم منتصبين للدفاع والتبرير الرخيص، وتجد نفسك قد نالتك منهم العين الحمراء والتوبيخ والاتهامات بالعمالة والخيانة والطابور الخامس والخلية النايمة، فضلاً عن السؤال التافه: «همّ إيه اللى وداهم هناك؟ دول كانوا بيتفسحوا! هى الدولة هتمشِّى عسكرى حراسة ورا كل مواطن؟».

هذا ما يحدث أيضاً عندما ننتقد الملاحقات الأمنية لشباب من الصحفيين أو طلاب الجامعة (ليسوا إرهابيين) ممن يتصل بنا ذووهم يومياً يطلبون منا أن نتحدث عن تلك الاعتقالات العشوائية فى وسائل الإعلام، لتجد نفسك أمام طابور من حاملى المباخر والمزايدين الذين يصبون عليك جامّ غضبهم قائلين: «وهو ليه حضرتك بقلبك الحنين لا تنتقد اغتيال ضباط الشرطة اللى بيموتوا كل يوم؟».

والسؤال الذى يطرح نفسه هنا: هل هناك تعارض إنسانى بين أن نبكى على شهداء الشرطة ونرفض اغتيالهم على يد الإرهابيين وبين أن نرفض أيضاً ممارسات «بعض» ضباط الشرطة باعتقال شباب برىء من الطلاب أو الصحفيين؟

وهل هناك تعارض سياسى بين أن تكون قد شاركت فى ٢٥ يناير ثم ٣٠ يونيو ومؤمناً بخارطة الطريق وصوّت بنعم على الدستور، وبين أن تنتقد أداء الحكومة أو بعض أفراد الشرطة؟

ثم يبرز السؤال الأهم: هل لا بد لى أن أشارك قصار القامة ومنتفعى كل بلاط والآكلين على كل الموائد حفلات تطبيلهم وزمرهم، وأختفى عن ناظرهم حتى لا أنغص عليهم حياتهم السعيدة بحزنى على وفاة شباب تجمدوا على «باب الدنيا» فى سانت كاترين؟! بل والأكثر من ذلك، بدلاً من أن يترحموا عليهم، يتبعون المنهج الدنىء الذى عهدناه منذ أيام الثورة بتوجيه اللوم للضحية: «إيه اللى نزلهم التحرير؟ إيه اللى لبّسها عباية بكباسين؟ إيه اللى نزلها الشارع وهى حامل فى التاسع؟ إيه اللى وداهم سانت كاترين فى البرد؟».

يا سادة.. . مصر التى فى خاطرى ليست دولة تكيل بمكيالين، ليست مزدوجة المعايير، ولا براجماتية بلا مبادئ.

مصر التى حلمنا بها يوم ١١ فبراير، هى دولة القانون وحقوق الإنسان، دولة مدنية، ينعم فيها الإنسان بحقوق المواطنة كون أنه يحمل جنسيتها، حرية التعبير والرأى فيها مكفولة بالدستور، لا تمييز فيها بين مواطن وآخر إلا بالحقوق والواجبات، لا تأليه فيها لحاكم طالما تصدى للعمل العام، المحاسبة والانتقاد والثواب والعقاب حق الشعب على المسئولين، الحق فى الحياة والعلاج والتعليم هو حق لكل مواطن.

لكن حينما أشعر باليأس من هؤلاء أقول دائماً: البركة فى الشباب، هذا جيل لا يعرف التطبيل ولا يزيده النفاق إلا عناداً وإصراراً على تحقيق أهدافه، وطالما بقيت طبقة المفسدين حاملى الدفوف متحلقين كالذباب حول كل كرسى يبررون الخطأ ويلومون الضحية، وينكرون علينا الحلم وحتى الحق فى الحزن، فسنظل نحلم بمصر التى خرجنا لأجلها فى ميادين الحرية منذ ٢٥ يناير مروراً بـ٣٠ يونيو وحتى الآن.

ولو مش هتحلم معايا مضطر أحلم بنفسى.

فبراير 14
0
جيهان منصور

جيهان منصور

المشهد الأول:

ضجت قاعة مركز «إعداد القادة» بالدقى وأروقة المركز والسلالم والمدخل بل والشارع بطوفان من الشباب، وما أدراك ما الشباب؟! شريان متدفق من الطاقة والهتافات الثورية وبركان من التحدى، صرخت حناجرهم لـ«صباحى» انزل.. انزل.. صرخاتهم تحمل ألما وغضبا على ثورة مجيدة انتهكتها آلة إعلام أجهزة أمنية قديمة عادت لتصفى حساباتها من شباب كسروا قيد آلات التعذيب والملفات الملفقة، شباب رفضوا التشويه والتشهير وانتفضوا لعودة ممارسات ظنوا أنهم أسقطوها ١١ فبراير ٢٠١١ بدماء شهدائهم.

المشهد الثانى:

صباحى الذى كان أكثر أعضاء «مجلس أمناء التيار الشعبى» ترددا وطلبا للانتظار وجس نبض القواعد والشركاء فى جبهة الإنقاذ، وجد نفسه مدفوعا بهتافات الشباب الذين حملوه على الأعناق، وتحدث معه مصابو الثورة وأهالى الشهداء بالدموع عن حقهم عليه ألا يخذلهم وينزل الانتخابات، لم يستطع صباحى أن يصمد ويتريث فى القرار كما كان يتراءى له، خاصة أن مؤشرات تصويت الأعضاء بمجلس الأمناء جاءت بالموافقة على ترشحه بأغلبية فى اجتماعين يفصل بينهما أسبوع، فقرر إعلان الترشح بشكل «فردى» وسط عاصفة من السرور والهتافات والزغاريد والدموع الصادقة من شباب رأوا فيه «قبلة الحياة» لثورة مجيدة تكالب عليها الذئاب وتناوبوا اغتصابها علنا أمام الكاميرات!

المشهد الثالث:

يقين صباحى بالشباب تأكد بعد موافقة مجلس أمناء التيار الشعبى بالإجماع على ترشحه، فكان أول اللاعبين على رقعة الشطرنج التى تفرش الطريق إلى الاتحادية! فكسر حاجز الخجل والرهبة والتابوه من ترشح منافسين للمرشح المحتمل صاحب الشعبية العريضة والحظوظ الأوفر فى الفوز، البطل المشير عبدالفتاح السيسى.

الخلاصة:

ترشح صباحى الذى اتسم بالثورية والجرأة والإقدام أعطى للعملية الانتخابية رونقا ديمقراطيا، يبتعد عن جو البيعة والاستفتاء، وهو الطرح الذى كان يروج له بعض الأغبياء سياسيا والأميين انتخابيا، والذين يروُّن فى ترشح أى شخص أمام المشير، ضربا من الجنون والخيانة والعمالة والطابور الخامس، وكلها مصطلحات نعيش بصحبتها مؤخرا فى جو أشبه بروايات «أدهم صبرى» والأجواء البوليسية وشفرات «أبله فاهيتا» وألغاز بعيدة عن فكرة الانتخابات التعددية التنافسية.

النتائج وبكل حيادية:

وأقول لمؤيدى سيادة المشير، لماذا ترفضون أن تعيش أرض الكنانة تجربة انتخابات حقيقية متوازنة، نفخر بها بين الأمم ولا ينتقدها الغرب أو يستغلها ضدنا الإخوان؟ ويجد فيها كل مواطن مصرى من يحمل أفكاره ليمنحه صوته، ولتتصوروا معى أن صباحى رفض أن يترشح وخذل طوفان الشباب، ماذا تتوقعون رد فعل الشباب؟ خروج فى مظاهرات غاضبة، عزوف عن المشاركة فى الانتخابات، شعور بالإحباط، وفى حال فوز المشير حينها، سيظل عالقا فى أذهانهم أنه ربما (لو) ترشح صباحى لكان الوضع قد اختلف.

على الجانب الآخر فإن مؤيدى صباحى من حقهم أن يعرفوا قوتهم التصويتية الحقيقية، فإذا كانت نسبتهم كبيرة كما كان فى الانتخابات السابقة التى وصلت إلى ما يقرب من ٥ ملايين صوت أو أكثر، أصبح لهم حتما وزن فى الخريطة السياسية القادمة لمستقبل البلاد، كنواة صلبة للمعارضة، وربما وجب وقتها أن يحصل هذا التيار على عدد محترم من الوزارات فى الحكومة الجديدة، وهو ما يعطى الثورة أرضية «للشراكة» فى مستقبل المرحلة القادمة ليس كمنحة ولكن بناء على حجم التصويت.

الختام:

فى ترشح صباحى الناصرى تكريم للمشير الناصرى أيضاً فكلاهما فخر لمصر، ففى حال حسمها المشير من الجولة الأولى، سيكون قد فاز على خصم قوى عتيد محترم مناضل لـ ٤٠ عاما، وفى حال جولة إعادة بين المرشحيِّن، ستكون التجربة الديمقراطية قد اختمرت وترسخت فكرة الثورة بمرشحيِّها، فما صباحى إلا معبر عن نضال الشعب ضد مبارك ومن بعده الإخوان، وما السيسى إلا تعبير عن دعم المؤسسة العسكرية للثورة ضد مبارك ومرسى.

والرسالة الأقوى من ترشح صباحى، هو أن مصر لن تعود لأجواء الاستفتاء والبيعة، كما أن سفهاء الطبل والزمر يجب أن يكفوا أيديهم عن المشير فهو حتما يرفض هذا النفاق.

وأخيراً: ترشح صباحى سيقطع كل الألسنة التى تلوك عرض ثورة ٢٥ يناير المجيدة، وسيصلح ما أفسده هؤلاء فى العلاقة بين شباب الثورة والحياة السياسية.

فبراير 09
0
جيهان منصور

جيهان منصور

من منطق الأمور أن يكون مبارك والعادلى ورموز برلمان أحمد عز وحكومة أحمد نظيف ناقمين على ثورة يناير، لأنها أطاحت بمشروع التوريث وزبانية سرقة أراضى مصر وثرواتها وما زاد الفقراء فقراً والأغنياء غنى، قد نفهم غضب وحنق هؤلاء على ثورة يناير التى قذفت بهم جميعاً فى السجون وأبطلت مفعول قنبلة جمال مبارك الرئيس الشاب الذى تم تعديل الدستور لأجل عيونه وتم تسخير وزارات وثروات مصر فى سنين عشر لتدشين مشروع تمكينه من حكم مصر، والذى أفشلته ثورة يناير بدعم من جيش الشعب الذى انحاز لمطالبه. (المزيد…)